الجصاص
240
أحكام القرآن
يملكه الحكمان ! وإنما الحكمان وكيلان لهما أحدهما وكيل المرأة والآخر وكيل الزوج في الخلع أو في التفريق بغير جعل إن كان الزوج قد جعل إليه ذلك . قال إسماعيل : " الوكيل ليس بحكم ولا يكون حكما إلا ويجوز أمره عليه وإن أبى " . وهذا غلط منه ، لأن ما ذكر لا ينفي معنى الوكالة ، لأنه لا يكون وكيلا أيضا إلا ويجوز أمره عليه فيما وكل به ، فجواز أمر الحكمين عليهما لا يخرجهما عن حد الوكالة ، وقد يحكم الرجلان حكما في خصومة بينهما ويكون بمنزلة الوكيل لهما فيما يتصرف به عليهما ، فإذا حكم بشئ لزمهما ، بمنزلة اصطلاحهما هذا على أن الحكمين في شقاق الزوجين ليس يغادر أمرهما من معنى الوكالة شيئا ، وتحكيم الحكم في الخصومة بين رجلين يشبه حكم الحاكم من وجه ويشبه الوكالة من الوجه الذي بينا ، والحكمان في الشقاق إنما يتصرفان بوكالة محضة كسائر الوكالات . قال إسماعيل : " والوكيل لا يسمى حكما " . وليس ذلك كما ظن ، لأنه إنما سمي ههنا الوكيل حكما تأكيدا للوكالة التي فوضت إليه . وأما قوله : " إن الحكمين يجوز أمرهما على الزوجين وإن أبيا " فليس كذلك ، ولا يجوز أمرهما عليهما إذا أبيا ، لأنهما وكيلان ، وإنما يحتاج الحاكم أن يأمرهما بالنظر في أمرهما ويعرف أمور المانع من الحق منهما حتى ينقلا إلى الحاكم ما عرفاه من أمرهما ، فيكون قولهما مقبولا في ذلك إذا اجتمعا ، وينهى الظالم منهما عن ظلمه ، فجائز أن يكونا سميا حكمين لقبول قولهما عليهما ، وجائز أن يكونا سميا بذلك لأنهما إذا خلعا بتوكيل منهما وكان ذلك موكولا إلى رأيهما وتحريهما للصلاح سميا حكمين ، لأن اسم الحكم يفيد تحري الصلاح فيما جعل إليه وإنفاذ القضاء بالحق والعدل ، فلما كان ذلك موكولا إلى رأيهما وأنفذا على الزوجين حكما من جمع أو تفريق مضى ما أنفذاه فسميا حكمين من هذا الوجه ، فلما أشبه فعلهما فعل الحاكم في القضاء عليهما بما وكلا به على جهة تحري الخير والصلاح سميا حكمين ، ويكونان مع ذلك وكيلين لهما ، إذ غير جائز أن تكون لأحد ولاية على الزوجين مع خلع أو طلاق إلا بأمرهما . وزعم أن عليا إنما ظهر منه النكير على الزوج لأنه لم يرض بكتاب الله ، قال : " ولم يأخذه بالتوكيل وإنما أخذه بعدم الرضا بكتاب الله " ، وليس هذا على ما ذكر ، لأن الرجل لما قال : " أما الفرقة فلا " قال علي : " كذبت ! أما والله لا تنفلت مني حتى تقر كما أقرت " فإنما أنكر على الزوج ترك التوكيل بالفرقة وأمره بأن يوكل بالفرقة ، وما قال الرجل لا أرضى بكتاب الله حتى ينكر عليه ، وإنما قال لا أرضى بالفرقة بعد رضى المرأة بالتحكيم ، وفي هذا دليل على أن الفرقة عليه غير نافذة إلا بعد توكيله بها . قال : " ولما